باسم يوسف في "بيت الدين" غداً.. "الأراجوز المخيف".. بقلم أحمد الفخراني

الثلاثاء, 2 آب 2016 الساعة 02:43 | ثقافة وفن, أخبار الفنانيين

باسم يوسف في

جهينة نيوز:

باسم يوسف في «مهرجانات بيت الدين». ربما يثير الأمر استغراب كثيرين منّا.. فالمهرجان الذي عودنا على تقديم العروض الفنيّة البحتة، يفرد مساحة هذه السنة – (مساء غد، 3 آب الحالي) – لمقدم البرامج السياسي الساخر، الإشكالي، الذي عرف في السنوات القليلة الماضية، العديد من الانتقادات لجرأته، مثلما عرف العديد من الوقفات التضامنية معه ومع ما يقدمه، لدرجة أنه أصبح يشكل أكثر من ظاهرة عادية.

لا يجد المشرفون على المهرجان أن مروره هذه السنة، ضمن البرنامج، يشكل خروجا عن المألوف، إذ أن باسم يوسف ينجح كثيرا في تقديم نقد وانتقاد لمجتمعنا الراهن، بقالب ساخر، جعله قريبا من الجميع، وذلك عبر «طريقته الحلوة التي شكلت ظاهرة حقيقية». الاتفاق مع يوسف على أمسيته هذه، كان خلال زيارته إلى لبنان منذ فترة، إذ التقى به المشرفون على «مهرجانات بيت الدين» وعرضوا عليه تقديم عرض، فكانت الموافقة، لتأتي أمسيته تحت عنوان «ثلاثية الإعلام والسياسة والسخرية». أمسية لم يرشح عنها بعد أي شيء، إذ أن مقدم البرامج يتكتم على المضمون الذي سيقدمه، وإن كان العنوان الذي اختاره، يشير إلى الفضاء العام الذي سيكون حاضرا في سهرة غد.

ربما تخطت الكآبة التي تحياها مصر الحدود. المعارضة في السجون، والبقية أمام المحاكم. تنخفض قيمة الجنيه المصري في انتظار الإنحدار النهائي. الحصار كامل والاستسلام تمّ. القتلة آمنون، المقتولون بلا عدل أو قصاص، شباب - لا يبلغ بعد ثمانية عشر عاما – يحاكم عسكريا في غياهب المؤبد للاشتباه أو لكسر الروح. «ستاتيس الفيسبوك» تودي بصاحبها وراء الشمس.

ربما تخطت أيضا «المسخرة» المصرية حدود حاجتها الملحة لبرنامج بذكاء وألمعية باسم يوسف، عندما كانت الجماهير تحتشد مساء كل جمعة، لتعالج كآبتها من مصير مجهول. كانت ليلة مبهجة بحق. ليلة مبهجة وحيدة وسط أعاصير من الكذب، الدم، الخيانة، النفاق، الاستهانة بمصائر المصريين. ليلة تمنحنا الانتصار والأمل رغم ذلك والأهم ربما: الضحك على كل ما هو مرعب وقبيح في السلطات التي تعاقبت على مصر، الدينية والعسكرية، والتي وإن اختلفت في المسميات، حملت معها «مسخرة» الغلظة وانعدام الهبة.

في غيابه عن الشاشة، تنطلق الآن «المسخرة» السياسية بلا رادع. الحصن الأخير، تم نفيه، وسيرك عديمي المواهب منتصب، كان برنامجه الذي شب من نخبوية المشاهدة على «يوتيوب»، إلى ملايين تنتظره كل أسبوع، قادرا على تشريح «المسخرة» وفضح هشاشة «الرعب» و «ثقل السماجة».

كتيبة الذكاء

كانت كتيبة الذكاء التي يقودها باسم يوسف بإمكانات قليلة، مخيفة لكتائب أخرى، مؤسسات تملك المصريين كأسرى، تملك سحرة كذابين من الإعلاميين، وقبضة أمنية لم تعد تعرف الرحمة، تعد بالوهم والإنجازات الكاذبة، تملك كل شيء حقا عدا النباهة. لا تريد الدولة ضمن حدودها إلا محض حمقى.

لعلّ النباهة، هي الكلمة المفتاح لوصف باسم يوسف. لم يكن غريبا أيضا أن تكون أولى تبعات الحكم العسكري، هي أن يخرس البرنامج وأن يغادر صاحبه البلاد في نفي غير معلن. فالدولة التي وضعت علاء عبدالفتاح وماهينور المصري والروائي أحمد ناجي ودومة ومالك عدلي وغيرهم في السجون، تطارد في الأساس «الذكاء». لتعلن أن مصيرهم في الأساس: القتل أو النفي أو السجن المؤبد.

وسط شعارات جوفاء، عن أن «مصر تستطيع»، مصر تستحق الأفضل، كان برنامجه هو العمل الإعلامي الاحترافي الوحيد الذي كان بإمكانه أن يضاهي أصله الأمريكي، برنامج «ذا ديلي شو» لجون ستيوارت، طارحا إمكانيات أخرى لفكرة الاستطاعة والاستحقاق، كالدقة، الاتقان، الابتكار، الجدية في التنفيذ، أن يوضع الجيل «الذكي» في مكانه بديلا عن استيلاء الرداءة على أرواحنا، الإشارة الأخيرة ربما لما كان يجب أن تؤول إليه الأمور، لو كانت الثورة قد أصابها النجاح، ففي المقابل فشلت كل محاولات إعلام السيسي لملء فراغ باسم يوسف، ببرامج تشبه تلك السلطة، تعلق الجزرة في رقبة الشعب، وتستند إلى وهم الأخلاق المستهلكة.

بين زمنين

البرنامج الأخير في مصر، الذي كان اسم «الثورة» كمنطق حاكم ومرجع، كخط فاصل بين زمنين، البرنامج الأخير الذي يحاسب «الفلول» و «المتلونين» بثقة كأنها البداهة. ثلاثة مواسم، من الضحك على «المرارة».

كان يواجه نفسه قبل أن يواجه الآخرين، ربما كان يطمئننا قبل أن يطمئن نفسه وهو يسخر من وصفه بالأراجوز، وطفل ساويرس، والملايين التي يحصل عليها شفاهيا فقط، بقدرته على أن يصدم جمهوره نفسه الذي طالبه بـ «أخلاق» العائلة الملتفة حول التلفزيون وكارهيه ممن عراهم أمام جمهور عريض باستخدامه للألفاظ البذيئة، لا يتراجع، بل يصدر برنامجه بعبارة «للكبار فقط».

السخرية لم تكن عملة فقط تخيف السلطة، بل في مجتمع حساس، تقبل كل فئة السخرية طالما لا تمسها، ينطبق هذا على السلطة كما ينطبق على الثوار والإخوان وجماهير الكرة والمثليين، واليسار والنسويين والدولتيين. تلك علامة مجتمع غير ناضج بكامل طوائفه. بينما تقف السخرية على مسافة أبعد من كل الأطراف، رسالتها الأساسية: لا أحد يملك قداسة أن لا تطوله السخرية، بل هي علامة ثقة الطائفة في نفسها. يوتوبيا لم تتحملها مصر التي لم تعبر قط مرحلة الطفولة، وتحتاج لانذار هزلي أن عليها أن تشاهد ما يتحمله «الكبار فقط». لم يساوم باسم يوسف، حتى وهو يبدأ من قناة سي بي سي القناة التي بدأت أول هجمة إعلامية منظمة ضد الثورة، فيبدأ أولى حلقاته فيها بالسخرية منها والتأكيد على أنها «قناة» فلول. بل وهاجم ادعاءها أنها تحمي الأخلاق منه.

في كتابه موجز دراسة التاريخ يحدثنا أرنولد توينبي عن شروط نجاح الحضارات وشروط انحلالها، فيخلص إلى أن أي حضارة تملك أقلية مبدعة و «ذكية»، تتقدم تلك الحضارة فقط، عندما تصبح تلك الأقلية المبدعة في موضع اطلاق لملكاتها وتكون «محاكاتها» من قبل الآخرين نشطة، بينما تتحلل تلك الحضارات عندما تفقد تلك الأقلية نشاط دائرة الإبداع/ المحاكاة. هذا تحديدا ما يحدث في مصر، من مطاردة وحصار «الأقلية» المبدعة.

المفارقة

ربما للمفارقة أيضا نجح باسم يوسف في مصر قبل نفيه، لأنه ليس ثوريا بالمعنى المتشنج والقاصر. فهو لم ينزل مثلا إلى الميدان إلا بعد جمعة الغضب، عندما استطاع أن يستوعب ما حدث، ليكون أحد أصوات «الثورة» القليلة المؤثرة والجماهيرية للجولة الأخيرة. فانحيازاته في الأساس للقيم كالحق، والحرية، والابتكار، والجدة، والاتقان، والعدل، دون قيم عصبية تحجب مجال الرؤية. باسم يوسف ابن عصره، مثله آلاف في مجالات بلا حصر، مطاردون بلا فرص، بينما مستقبل مصر الحقيقي القادر على انتشالها من عثرتها وإعادة حيويتها إليها بين أيديهم.

أحيانا أضحك من هذا الخاطر. هل يمكن أن تأخذوا البلد بلا مقاومة وتعيدوا إلينا برنامج «البرنامج»، أهذا كثير؟ ساعتان من البهجة وسط أسبوع كامل من الاحباط واليأس؟ أشتاق فعلا لطلة باسم يوسف، أتذكر أن أكثر ما كان يجعلني متسمرا أمام برنامجه، ليس قدرته على إضحاكي، لكن لاثباته أن ما نادت به الثورة في جوهرها لا في أطوارها المتشنحة، كان قابلا رغم كل التشكيك للحصول على النجاح والتأثير والجماهيرية. «الأراجوز» كان يخيفهم فعلا.

محطات

مواليد 21 آذار (مارس) العام 1974

تخرج من كلية الطب العام 1998، وحصل على دكتوراه في جراحة القلب من جامعة القاهرة.

عضو في هيئة تدريس كلية الطب، قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة للعمل في شركة أجهزة طبية تطور تكنولوجيا زراعة القلب.

بدأ بتقديم برامج الهجاء السياسي عن طريق «الانترنت» بعد ثورة 25 يناير، عبر برنامج «باسم يوسف شو»، ليظهر بعدها على قناة «أون تي في» لتقديم «البرنامج» الذي أطلقه كواحد من أشهر مقدمي البرامج السياسية الساخرة، قبل أن ينتقل إلى قناة «سي. بي. سي»، ومن ثم إلى «أم بي سي مصر».

اختير العام 2013 ضمن قائمة أفضل 100 شخصية مؤثرة في العالم من قبل مجلة «التايم» الأميركية.

يعيش حاليا في الولايات المتحدة، معتبرا البعض أنه في «المنفى»..

«ممنوع التصوير»

أعلنت وكالة «برس فوتو» في بيان لها «للزملاء» المصورين الصحافيين، «أن التصوير الفوتوغرافي خلال حفل باسم يوسف، سيقتصر فقط على المصور المعتمد لدى لجنة «مهرجانات بيت الدين الدولية»، ولمدة ثلاث دقائق فقط. ويتمّ توزيع صورة الحفل على الصحافة والإعلام في الليلة عينها».

المصدر السفير


أخبار ذات صلة


اقرأ المزيد...
أضف تعليق

تصنيفات الأخبار الرئيسية

  1. سياسة
  2. شؤون محلية
  3. مواقف واراء
  4. رياضة
  5. ثقافة وفن
  6. اقتصاد
  7. مجتمع
  8. منوعات
  9. تقارير خاصة
  10. كواليس
  11. اخبار الصحف
  12. منبر جهينة
  13. تكنولوجيا